التقليد والحداثة والإسلام

Publié le par Kostani Ben Mohamed

1- في التاريخ المقارن

تبدو إشكالية الصراع بين "الغرب" و" الشرق"، العالم العربي- الإسلامي ، على وجه الخصوص، إشكالية في التواصل والتعارف والمعنى، ومن ثمة الضرورة المنهجية في إعادة قراءة كل من تاريخ العالمين، الحديث على الأقل،وكذلك مفاهيمهما الرئيسية.

أما بالنسبة للعالم الإسلامي، فمنذ الوهابية، يمكن أن نتحدث عن محاولة "النهضة"، ولو لم تكن سوى محاولة إصلاح ديني ضمن البنية الداخلية للإسلام، وذلك بالإعتماد على السنة أكثر، ونبذ كل أشكال التدين الشعبي، الطرقية خاصة والمزارات بشكل أكثر خصوصية، وذلك بدعوى الجاهلية والشرك.

لقد شكلت الوهابية أول "انبعاث"، ورغم كونها تستمد مرجعيتها ومبادئها من مدرسة كلامية قديمة هي الأشعرية، ومن إمام كبير هو ابن حنبل، و ابن تيمية كممثل كبير لها على مستوى الفقه، فهي قبل كل شيء سياسة وتدبير دنيوي، حاولت به قبيلة عربية أن تلم شمل القبائل، وأن توحدها من جديد نحو مفهوم الدولة، الذي تفكك منذ أمد بعيد، وقد استغلت في ذلك المبدأ الإسلامي الأساسي، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضدا على مبدإ سني آخر، أكثر أرثودوكسية وهو شرط القرشية في الحكم، ذلك الشرط الذي استغلته الممالك التقليدية الأموية والعباسية.

مع هذه المناقشة الدينية_ السياسية، لازلنا دائما داخل السنة، لكن فشل الذين حكموا منذ الأمويين في لم شمل القبائل،و الإنعتاق من الأتراك، و صد أطماع الاستعمار، أدى إلى شيخوخة نظام واديولوجيا ،وعصبية ،إن نحن استعرنا المفهوم الخلدوني، ولزم عن ذلك دعوة جديدة هي العودة إلى الأصول، ونبذ جميع أشكال التدين الشعبي.

انتشرت الوهابية بنسب متفاوتة في أرجاء العالم الإسلامي، فقد رفضت في المغرب مثلا تحت حكم السلطانين، سيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان، وذلك تحت ضغط التقاليد الأمازيغية، الأمر الذي يؤكد تعقد الواقع السوسيولوجي والأنثروبولوجي العربي _ الإسلامي.

لقد كانت الفترة الممتدة بين القرن التاسع عشر والنصف الأول للقرن العشرين عصيبة بالنسبة للعالم الإسلامي،وذلك نظرا للهجمة الاستعمارية التي شنتها الدول الأوروبية التي حاولت بذلك تجريب سطوتها وتفوقها على الأمم المستضعفة، وقد كان رد الفعل من نوع الفعل، عنيفا وشرسا وذلك بشكل استنفاري شبه غرائزي في البداية،إلا أن أشكال المقاومة ما فتئت تتغير وتلين لصالح الحوار، بل ونوع من التوافق وصل حدود الدعوة إلى تبني مبادئ الديموقراطية والليبيرالية، سياسيا مع جمال الدين الأفغاني وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا وخير الدين التونسي، ثم علال الفاسي وآخرين فيما بعد…ومع الطهطاوي ومحمد عبده وطه حسين، ثقافيا وتربويا ، وكأننا مع كل هؤلاء في عصر أنوار عربي إسلامي، واحتلت مفاهيم مثل، العقل والحضارة والدستور والبرلمان والإنتخاب…الساحة الفكرية والثقافية آنذاك، مع تمحور شديد حول أم الإشكاليات، لماذا تقدم الغرب ولماذا تأخرنا؟

لم يتم الإنعتاق في القرن العشرين، بل مافتئت الهوة تتسع، وقد تم نوع من الفوات التاريخي عبر المحاولات الغربية اجتثات الهويات ،ونزع السلطة والقدرة على اتخاذ القرار، وبذلك تشربت الشعوب المستضعفة الذل والهوان والعرقية والإحتقار…في الوقت الذي استطاعت فيه الذهنية الغربية إنتاج معارف هائلة ونظريات كثيرة مثل التطورية والوضعية والبنيوية وغيرها …وحصل التطرف الحداثي بالنسبة لمجتمعات مقموعة مرتين، من طرف أنظمتها غير الديموقراطية أولا، ومن طرف سياق دولي حاد المنافسة.

كما أن قضية فلسطين، وحروب، 48،67،73، ستعطي ردود أفعال قومية قوية زكتها الناصرية والحرب الباردة.

إلا أن المد القومي ذاك،بنخبه المدنية- الثقافية والعسكرية، لم يعر كثير الإهتمام، لا للديمقراطية ولا للشعوب والثقافات المحلية فحصلت المفارقة.

وكان لابد أن تظهر بدائل أكثر حيوية وعضوية وجذرية، ليس كأحكام قيمة، لامتصاص غضب الجماهير من جهة، ولمحاولة تفسير وتجاوز الهزيمة من جهة ثانية، فكان ظهور تيار الإخوان المسلمين، الذي أسسه رجل عرف كيف يكون عضويا في مدينة عمالية مصرية هي الإسماعلية، إنه حسن البنا، الذي مهد الطريق لسيد قطب، الذي عرف، هو أيضا وبعلمه الغزير، أن يهب التيار عمقا نظريا وثقافيا، وذلك بعودته إلى نظرة قرآنية خاصة للعالم…ونظرة سياسية تمحورت حول مفهوم مركزي هو ّالحاكميةّ، ذلك التصور المنطلق من كون الحكم والسلطة أمر إ لهي، ولا يجب ترك أمره للبشر بأي حال من الأحوال، الأمر الذي يرجع بنا وبشكل غريب، ليس إلى الأشعرية كتيار محافظ كما هو الأمر عند الوهابية، ولا حتى الإعتزال، كتيار تقدمي، كما كان الأمر عند محمد عبده، بل إلى الخوارج كأكبر الفرق الإسلامية تطرفا، ولكن أكثر "ديموقراطية"،بشكل غريب مرة أخرى، وبذلك حصلت البدايات التأصيلية الأولى للإسلام السياسي.والذي يجب أن نسجله هنا، هو أن كل هذه الحركات والإتجهات، ليست في واقع الأمر سوى ردود أفعال، فالوهابية كانت رد فعل ضد الطرقية والشرك، أما الأفغاني فقد تركزت نضالاته ضد الإستعمار والإستبداد العثماني، وجاء التطرف الإخواني ضد الناصرية والمد القومي العروبي. لقد تمظهرت جل هذه الحركات بشكل تمامي منغلق في غالب الأحيان، دون أي حس استراتيجي نقدي، وبذلك لا يمكن اعتبارها مشاريع بالمعنى الكامل للكلمة، لأنها تعبير سياسي مباشر وسطحي لرهانات سياسية آنية ولحظية، مع فقر وإغفال شبه تام للدور البيداغوجي الذي يمكن أن تقوم به الثقافة. ومع الفقر والجهل الشديدين للجماهير، أصبح من الممكن التحدث عن هزات وانتفاضات ممكنة في كل لحظة.

لم تستطع هذه التيارات وهذه الحركات أن تنتج أي فائض قيمة للمجتمعات الإسلامية، كما أنها لم تستطع أن تهبها صورة موحدة، إذا استعرنا الوظائف الرئيسية للدين بالمفهوم الدوركايمي، ومع المزاحمة الشديدة لها من طرف ايديولوجيات أخرى مثل اللبيرالية والإشتراكية حصلت المفارقة الكبرى في صنع مصير وقدر الأمة.

بعد الحرب الباردة، استطاع المشروع الغربي اللبيرالي، مرة أخرى، أن يسيطر على العالم، ومنذ ماركوز بدأ مفهوم الحضارة يشغل حيزا مهما في المنظومة الذهنية الغربية، وذلك ربما استبدالا لمفاهيم أخرى سادت الحرب الباردة مثل، الدولة- الأمة والطبقة والصراع الطبقي، وكانت الإنطلاقة الأولى نحو العولمة مرورا ب* نهاية التاريخ* و* صراع الحضارات*، وبذلك نكون مع جيل جديد من المفاهيم، لا يمكن مقارنتها بمفاهيم الحقيقة والحياد في المنظومة الفلسفية الكلاسيكية، بل وحتى المعاصرة، إنها مفاهيم بعيدة كل البعد عن * لوغوس* اليونان و* راسيو* اللاتين و* التوفيق* الفلسفي الإسلامي وّ أنوار‌‍‍ّ الفلسفة الحديثة، وّاختلافّ ما بعد الحداثة، إننا بالأحرى مع أشباه مفاهيم ملغمة، مليئة بالمعاني والدلالات، لكنها قامعة و مستنفرة، بل أكثر من كل ذلك متورطةومتواطئة

وكان لابد، مرة أخرى أن تأتي المقاومات وردود الأفعال، هذه المرة على شكل عودة الهويات والثقافات القديمة.

إن الغرب القوي و الغني والمتحضر والديمقراطي مدعو هذه المرة، أكثر من أي وقت مضى، أن يتعرف على الآخر، الذي ليس جحيما بالضرورة، وهو الذي لا تعوزه الوسائل المادية والأدوات الثقافية والذهنية، إن الإعتراف المتبادل هو الطريق الأوحد والوحيد للسلم الحقيقي والمستدام.

تعلمنا الأنثروبولوجيا _ علم الإنسان، تساو كل الثقافات والحضارات كإرث إنساني مشترك، كما أن حقوق الإنسان، كإنسان لا تترك أي مجال للمزايدات الإديولوجية والسياسوية والديماغوجيبة، وكل هذا طبعا دون القفز على الفروقات الحاسمة بين تجارب وعبقريات الشعوب. إن فقدان البشرية لأحد عناصرها، سواء كان ّبوشمانّ كالاهاري، أو السكان الأصليين لأستراليا أو أمريكا أو بدو الصحراء الكبرى، إن فقدان أي من هؤلاء يعتبر خسارة للإنسانية جمعاء.

إن كل الثقافات التقليدية ليست تقليدوية، كما أن كل الثقافات الحديثة ليست حداثية، الأمر الذي يدفع إلى إعادة النظر في المفهومين بشكل نقدي شامل.إن التقليد من الزاوية الأنثروبولوجية ليس سلبا، بل هو ما تبقى وما قاوم عوامل تعرية الزمن و التاريخ، الأمر الذي يفسر قيمته السوسيولوجية و الثقافية، دون أن يعيق، طبعا، التقدم و الكفايات و القدرات، إن الحداثة لا تخص زمنا بنفسه ولا حضارة بنفسها، إنها جودة وعبقرية قبل كل شيء، إن أفلاطون أو ابن رشد أو ابن خلدون أكثر حداثية من أي مثقف ديماغوجي، تبريري معاصر.إن الحداثة التزام ونضال نحو الخير والجمال والحق و احترام العقل والإنسان، أي إنسان دون ميز أو أحكام قيمة.

إن الوقائع أصبحت بالقوة التي لم يعد فيه ممكنا أن يتردد الغرب بين التبرير والمسؤولية،يعلمنا تاريخ العالم الإسلامي الوسيط أن القوي وحده يستطيع التفكير، لقد شكل القرن الثالث للهجرة ( التاسع الميلادي)،قرن الإجتهاد والتسامح بامتياز، وذلك لأن جسد الأمة كان قويا ومعافى ولا يخشى التواصل والحوار، ولم يحل الإنغلاق والخوف من الإنفتاح، ولم يغلق باب الإجتهاد، إلا حين أحست النخبة الخطر من الداخل قبل الخارج

لقد أصبح مد يد المساعدة من أجل تنمية حقيقية مندمجة ومستديمة أمرا ملحا، اليوم قبل أي يوم آخر، وذلك حتى تستعيد الشعوب المستضعفة ثقتها في نفسها، وأن تحسن صورتها أمام نفسها قبل الآخر، لأنه وببساطة لا يمكن أن نكون سعداء دون أن يكون الجار كذلك…

2_ في أنثربولوجيا الحصر

لقد حاولنا في الفقرة السابقة أن نقارب الأمر من زاوية ماكروسوسيولوجية، ونحاول في هذه الفقرة المضي قدما في التحليل، لكن بمقارنة كثيرا ما يستخف بها في تقليدنا الثقافي، وهي مقاربة الوصف ووضع الأصبع عن كيفية اشتغال الأمور الاجتماعية أو عدم اشتغالها حتى، وهي مقاربة لا تقل عن الأولى بل قد تتجاوزها في الاقتراب أكثر من الوقائع ، ليس كوقائع وإنما كأفعال الناس وتصوراتهم لأفعالهم،بما قد يحمله الأمر من ذاتيات لابد منها لفهم ليس الأسباب وإنما كيفية اشتغال الآليات والبنيات والمؤسسات والأفعال... وهو تمرين يمكن أن يقينا من خلط ما هو مؤشر من ما هو فعل..

إن الحديث عن التأخر التاريخي والفقر والجهل والأمية والانغلاق، أمر أصبح يدخل من المؤشر أكثر منه من باب التفسير...

إن ما حدث في رأيي أكثر من كل ماسبق قوله، إنه أكثر من الفصام حتى، إنه نوع من العطالة مس الآليات الأساسية التي اشتغلت بها المجتمعات التقليدية، سواء على المستوى التقني أم على مستوىتمرير المهارات والمعارف أم على مستوى التنظيم أم على مستوى القيم.. حصر إذا مس هذه الأبعاد الأربعة، ولم يستطع المجتمع أن يعيد لا إنتاجها ولا تغييرها وتحويلها أوإنتاج غيرها.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article