علاقة علوم الطبيعة بعلوم الإنسان

Publié le par Kostani Ben Mohamed

العلاقة بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان[1]

إن جل المفاهيم الإبستمولوجية التي صاغها سواء العلماء أنفسهم أو الإبستملوجيون أو السوسيولوجيون أو الفلا سفة، مثل مفهوم البراديكم عند كوهن أو مفهوم القطيعة عند باشلار أو التفنيد عند بوبر أو الحقل عند بورديو أو الإبستمي عند فوكو أو التكوين عند بياجي .. إن مثل هذه المفاهيم يمكن أن تثري النقاش وأن تحفز التفكير سواء في قبيلة الطبيعيين أو قبيلة السوسيولوجيين، وحتى بالنسبة للمجتمع العام من أجل خلق عقلية علمية نحن بكثير الحاجة إليها.

تعتبر العلاقة بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان علاقة إشكالية، إذ هي علاقة داخلية ضرورية حيث يربط الحس السليم والعقل المنظم بين المجالين، بل وحتى مع مجالات أخرى تبدو غير علمية مثل حسن التصرف le savoir -faire والحكمة الشعبية، هذا من جهة، أما من جهة أخرى فالعلاقة الداخلية نفسها تفرض التمييز الذي ينطلق من اختلاف طبيعة الموضوع الذي يفرض هو نفسه اختلاف المقاربات والمناهج.. فطبيعة الإنسان الثقافية والتاريخية المتحولة الفاعلة ليست هي حال الطبيعة القابلة للملاحظات الدقيقة والقياسات المعقدة والتجارب المركبة. اختلاف الموضوع إذن يحتم اختلاف المناهج والمقاربات، وقد ركز الإبستمولوجون على معايير كثيرة في التمييز بين المجالين، وذلك لاعتبارات كثيرة ترجع أيضا من بين ما ترجع إلى اختلاف موضوعا تهم.

يعرف كوهن العلم على أنه كل معرفة خاضعة للتطور والتقدمle progrès، ويرى أنه في العصر الوسيط لم يكن هناك فرق بين الفن والعلم لأنه كان ينظر إلى الفن نظرة علمية فيكون الرسام الجيد هو من يقترب أكثر من موضوعه[2]، وعلى أساس هذا المعيار وضع كوهن سلما للاختلافات بين العلوم الإنسانية وعلوم الطبيعة كما يالي[3]:

خصائص علوم الطبيعة، التخصص الشديد تبعا للبراديجمات، وانغلاق مجموعات البحث فيما بينها وفيما بينها والجمهور، والتقدم، أما خصائص العلوم الإنسانية فهي انتشار الموضوعات وتعدد وتقاطع مجالات الدراسة، كل باحث يمكن أن يبدأ من الصفر، ويشير كوهن إلى ملاحظة بيداغوجية دقيقة عندما يلاحظ كون طلبة الفيزياء لا يهتمون بالنصوص الفيزيائية الرائدة والكلاسيكية إلا في نهاية دراستهم[4] وربما تخرج طالب في الفيزياء لم يدرس كتابا فيزيائيا واحدا، في حين أن طلبة السوسيولوجيا أو السيكولوجيا يبدؤون دائما سنتهم الأولى بالدراسات الكلاسيكية، وهو أمر لم يرض كوهن فيما يخص الطالب الفيزيائي الذي يتوجب عليه أن يشتغل بالنصوص الكبرى لتقوده في مهامه المستقبلية.

يحدد كوهن ثلاث مشاكل مهام يجب أن يهتم بها كل علم:

  1. تحديد الوقائع الدالة
  2. مطابقة الوقائع مع المعرفة
  3. بناء النظرية[5]

ولو نظرنا من زاوية هذه المهام للسوسيولوجيا لوجدنا فعلا بأن الوقائع الدالة وحدها هي التي تهم، لأن الاستقراء التام لعب أطفال بتعبير فرنسيس بيكون، إذ السوسيولوجي اللبيب لا يهمه سوى المؤشرات المنتقاة أحسن انتقاء وفق تصورات نظرية قبلية لا يمكن الاستغناء عنها، أما المطابقةla pertinence فتبقى مطلبا سوسيولوجيا بامتياز ومن ثمة نفهم كون السوسيولوجيا علم الميدان والوقائع وليست علم الكتب والخزانات، كما نتفهم كونه علما تجريبيا[6]، ليس بالمفهوم الوضعي، وفق بعض التصنيفات الإبستمولوجية كما سنرى لاحقا.

وسواء كنا في العلوم الطبيعية أو العلوم الإنسانية يرى جون مارك ليفي بلون في كتابه روح الملحl’esprit du sel أن العلم إما هو معرفة فيستحق بذلك أن يكون علما أو ليس كذلك، وذلك بغض النظر عن موضوعه[7].

أما غاستون باشلار فيحدد مجموعة من خصائص الفيزياء الحديثة كما يالي:

انصهار بين الموجة والجسم، بين الحركة والشيء، بين الموجود وما سيكون، انحلال الموجود إلى وسيلة للتحليل، لم يعد الشيء جوهرا، أهمية نظام العلاقات بدل الأشياء والعناصر، الواقع منتوج القياس الدقيق والمعقد، ديمومة الفرضيات، الموضوعات تشبيهات وليست حقائق[8].. ودون السقوط في المقارنات الآلية يمكن أن نذهب بعيدا فنقول بأن السوسيولوجي اليوم غير بعيد عن عمل الفيزيائي كما وضحه غاستون باشلار، فمفهوم الفاعل الاجتماعي يجمع بين الموضوع الاجتماعي وفعله، والظاهرة الاجتماعية نفسها وسيلة حجاجية بامتياز، عدم إغفال الإرادة والمسؤولية، تعدد وتعقد التقنيات، بل وتدخل الباحث السوسيولوجي في صنع الواقع ضمن الخبرة وتوجيه الإستراتيجيات والقرارات والرأي..

إضافة إلى كل ذلك تتعقد المسألة أكثر عندما نتجاوز العلاقة الداخلية إلى العلاقة الخارجية وعند فحص حدود التماس وميادين استغلال هذه العلوم بعضها لبعض تأويلا وتبريرا وعلاقتهما بالتقنية والمجتمع من جهة ثالثة..

أوليات أساسية:

الأولية الإبستمولوجية:

لقد أصبح من المسلم به الآن أن العلم بناء وتشييد ومواضعة، وأن الحقائق العلمية لا توجد في قارعة الطريق، وذلك في إطار تجاوز التصور العلموي الساذج الذي كان ينظر إلى الحقيقة على أنها معطى وجودي يجب كشف الستار عنه من طرف علماء أفذاذ ذوي عقول خارقة وخاصة، إن العلم خلاصة تراكم تجارب يعتبر الخطأ فيها في نفس الأهمية التي يمتلكها الصواب، يقول فرنسيس بيكون بأن الوهم لا تتولد عنه المعرفة أما الخطأ فهو أساسها، ومن هنا يمكن أن تحدث عن أهمية التاريخ ليس في رصد تقدم العلوم فحسب وإنما في فهم كيفية انبثاقها وتكونها تحت تأثير البراديكمات تارة وتحت تأثير الثورات والاكتشافات تارة أخرى بل وحتى تحت تأثير الصدفة، إذا اقتبسنا مفاهيم توماس كوهين، أو فهم كيف يتجاوز العلم المفاهيم ما قبل العلمية من فلسفة وأوهام وغيرها كما فعل ذلك غاستون باشلار في دراسته الجيدة، تكون العقل العلمي، أو لرصد كيف تتناحر النظريات العلمية مفندة بعضها بعضا بمفهوم كارل بوبر... ومن ثمة نسبية المعارف العلمية وطابعها المؤقتla précarité des productions scientifiques على عكس الفلسفة والإبداع الفني والأدبي، تلك المجالات التي تسبح خارج التاريخ بتعبير ميشل فوكو.

الأولية الديداكتيكية والبيداغوجية:

من زاوية نظر عملية التعلم، والنظريات الحديثة المرتبطة بها، تعتبر العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة معقدة، ولا يعتبر فيها المتعلم، كما يظن في النظريات التلقينية التقليدية سلبيا، بل هو دائما يحمل تصورا حول ما سيتعلمه يجب احترامه من طرف معلم هو نفسه تعلم، بمعنى أن ما يعلمه وما يحمله وما يعرفه ليس مكتملا، من ثمة فما سينتجانه حصيلة اللقاء بين الاثنين، وهو إنتاج في لحظة لا تتكرر، بمعنى أن العملية التعلمية فريدة uniqueكما أنها حصيلة تراكم لحظات سابقة يجب أن نأخذها بعين الاعتبار في التسطير لأهداف تلك اللحظة من جهة ولتقويمها من جهة ثانية..إن كل معلم منتج للحقيقة وليس مبلغ أو ساعي بريد لها، ومن ثمة ضرورة التكوين الجيد له حتى يتحمل مسؤولية وضعه لمناهجه الخاصة بسياقه الديداكتيكي الخاص والمرتبط بالمستوى المعرفي لمتعلميه والكفايات التي يروم تمكينهم منها، ومن ثمة الأهمية القصوى للثقة الكاملة من المعلمين تجاوزا لأي شكل من الأشكال التعميمية والتعويمية التي تمليها المقررات بشكلها التقليدي، ويكفي هنا أن ندرج مؤشرا سوسيولوجيا جد هام لنفهم ما نرومه هنا، وهذا المؤشر هو " التعليمات الرسمية" التي تقود المدرسين بشكل تنفيذي لا يترك للعملية التعليمية التجريبية الواقعية أي مجال، بل الخروج عن التعليمات التعاليم يعتبر خرقا للقانون والعرف البيداغوجيين ، خرق يوجب العقاب والجزاء..

أولية سوسيولوجية:

من الزاوية السوسيولوجية يعتبر العلم بناء اجتماعيا construction sociale بمعنى أنه منتوج إنساني ينتجه بشر ينتمون إلى ثقافات مختلفة وتجارب مختلفة، ودون السقوط في المذهبية السوسيولوجية، لابد من الانطلاق من كون أن هناك علاقة بين المجتمع وثقافاته وسياساته ومشاريعه وتجاربه التاريخية والإنسانية ومؤسساته ورهاناته وصراع القوة فيه من جهة، والعلم من جهة أخرى، لا على مستوى الإنتاج ولا على مستوى التعليم، رغم ما ذهب إليه مرتون والاتجاه الوظيفي عامة من كون المؤسسات الأكاديمية مستقلة ومنغلقة عن المجتمع العام، وهو كلام ربما يصدق نسبيا عن التقليد الأكاديمي الأمريكي لكنه بعيد المصداقية في التعميم على جميع المجتمعات، خصوصا التي في طريق النمو والتي لازالت فيه الحدود بين التقليدي والحداثي غير واضحة، ويمكن أن نضرب لذلك أمثلة كثيرة سواء في التاريخ القديم أو الحديث أو المعاصر:

  • سيادة العلم الاستنباطي عند اليونان، هيمنة الرياضيات والفلسفة، وعلاقة ذلك باحتقار العمل اليدوي ومن ثمة التجريب..
  • تشجيع الثقافة الإسلامية للعمل اليدوي ومن ثمة إمكانية بزوغ بدايات العلوم التجريبية..
  • أثر الثورة الصناعية على الثقافة الأنكلوساكسونية وسيادة المذهب التجريبي في إنكلترا أولا والمنفعي في الولايات المتحدة بعد ذلك، حيث سبقت المقاولة المؤسسة العلمية هناك..
  • أثر الثورة الفرنسية على مركزية الإدارة الفرنسية، وأثر ذلك على المدرسة وسيادة الآداب والفلسفة..
  • الأثر النفسي الكبير للقنبلة الذرية على اليابان، والاهتمام بالعلوم..
  • قفل باب الاجتهاد في المجتمعات الإسلامية وأثر ذلك على معاداة العلوم والتقنيات الحديثة..

أولية علمية:

يجب أن نسجل هنا ومن الزاوية العلمية نفسها أن العلم مادة حيوية موجبة وفعالة، فبقدر ما هي بناء وصناعة بشر وتشييد مجتمع وعلاقة تعلم، فهو يؤثر في المستويات هذه كلها، ومن ثمة فهو تحسين مستمر لحالة الحقيقة، وتحسين وتطوير لحالة التعلم، كما أنه بعد ذلك كله تحسين وتنمية لحالة المجتمع العامة. ولعل وصف مرتون المؤسسات الأكاديمية والمجتمع العلمي بالاستقلالية لم يكن سوى تقرير حال وواقع كان فيه ولازال العلماء هم الذين يقررون ميزانيات البحث مثلا، بل وأكثر من ذلك يمكن الآن أن نتحدث عن صناعة مشاريع مجتمعية كبرى ومتوسطة وبعيدة ومتوسطة المدى من طرف علماء وخبراء..

بعد هذه الأوليات العامة والأساسية سنحاول في هذه المساهمة البحث في الأسئلة التالية:كيف ينشأ العلم؟ كيف يدافع عن فرضياته ونظرياته وقوانينه؟ كيف يتغير، كيف يتأثر بالمجتمع ومؤسساته وكيف يؤثر فيه.. إلى غير ذلك، مركزين على علاقة العلوم الفيزيائية بالعلوم الإنسانية والسوسيولوجيا خاصة.

ما ذا يمكن للسوسيولوجيا أن تفعله بالفيزياء؟ سؤال مشروع في سياق منظومتنا التعليمية والجامعية، لكنه لم يعد مشروعا في المنظومات الجامعية الأمريكية والغربية وهذا لوحده يمكن أن نعتمده تيمة سوسيولوجية بامتياز. يعلمنا طوماس كوهن الإبستملوجي الفيزيائي الكبير أنه اعتمد على السوسيولوجيا والسيكولوجيا أثناء صياغته لمفاهيمه الأساسية البراديكم والعلم المقعد la science normale والثورة العلمية، وإلى جانب اشتغاله الرئيسي على تاريخ العلوم اعتمد طريقة سوسيولوجية وهي تحليل مضامين الكتب المدرسيةles manuels والمراجع المبسطة للعلم وفلسفة العلوم، مستنتجا كون العلم الثوري لا يوجد في هذه المجالات وأنه لا يوجد فيها إلا ما يظن أنه اكتمل وأصبح قابلا للتلقين، بل ذهب أكثر من ذلك عندما ينبهنا إلى أن الضرورات البيداغوجية والديداكتيكية كثيرا ما تسقط في أخطاء غير مقصودة، غير خطيرة أحيانا ولكنها أخطاء على كل حال، خصوصا في مجال المصطلح والتسمية ونسب الاختراع..إن العلم المعياري المدرسي يقول كوهن يفرض على الطبيعة أن تنضد في العلب التي يوجدها التكوين المهني مسبقا[9].

من أطرف التصنيفات الإبستمولوجية للعلوم تصنيف كارل هامبل الذي لا ينطلق من التصنيف المعتاد ، علوم حق وصلبة وأخرى إنسانية، بل من تصنيف آخر معياره مبدأ التحقق المنطقي، يقسم هامبل العلوم إلى علوم صورية وتشمل المنطق والرياضيات وعلوم تجريبية هي الفيزياء والعلوم الإنسانية[10]، من هذا المنطلق تدرج العلوم الإنسانية عامة والسوسيولوجيا خاصة في نفس الخانة مع الفيزياء. ما الذي يجمع العالمين الذين يبدوان متباعدين حيث كان أرسطو مثلا يربط الفيزياء بالميتافزيقا والسياسة والاجتماع بالأخلاق والرأي؟ إن الجواب موجود في كلمة واحدة هي التجريب بالمعنى الإيجابي والعام لهذه الكلمة، حيث لا يمكن فهم الفيزياء، خصوصا الكلاسيكية، إلا في إطار الملاحظة والتجريب، وهو نفس المعطى بالنسبة للسوسيولوجيا التي أدركت أهمية الإنصات من أجل الاقتراب من الحقائق الاجتماعية التي لا تخرج عن دائرة الناس، وهذا ما دفع الاتجاه الوضعي في السوسيولوجيا مع دوركايم ليجعل من الظاهرة الاجتماعية أشياء تتسم بالخارجية بالنسبة للذات، والتكرار الموضوعي حتى تستحق أن تكون قابلة للملاحظة والقياس والتكميم، وبمقارنة المجتمع بالظواهر الكيماوية حيث لا تشكل فيه الجمعية حاصل جمع الأفراد مثل العناصر الطبيعية التي لا نجد فيها خصائص الأخلاط..بل أكثر من ذلك يمكن أن نطمئن إلى حكمنا على أن ميلاد السوسيولوجيا مع سان سيمون وأكوست كونط كان تحت تأثير وضغط كبير للفيزياء سواء في تصنيفات كونط الشهيرة، السوسيولوجيا الستاتيكية وتعنى بتفاعل الظواهر الاجتماعية، والسوسيولوجيا الدينامكية، وتعنى بتعاقب الظواهر نفسها، بل وفي التسمية نفسها حيث كان يسمي السوسيولوجيا مثل أستاذه سان سيمون، الفيزياء الاجتماعية، وهي تسمية و أوصاف تفصح عن قاعها المعرفي الفيزيائي بوضوح.

هكذا تتضح العلاقة الوطيدة بين المجالين المعرفيين، غير أن أمر العلاقة لم يكن بالبساطة التي يمكن أن نقف فيها عند حد الاهتمام التجريبي للمجالين أو الاعتماد على نفس الآليات المعرفية الذهنية مثل الملاحظة وبناء الفرضيات وصياغة المفاهيم والقوانين والنظريات، الآليات الذهنية نفسها التي نجدها في أي إرادة للمعرفة غير صورية مرتبطة بالوقائع الموضوعية..

إن الأمر إشكالي ومعقد وذلك لسبب بسيط وهو تعقد وتعدد موضوع العلوم، الأمر الذي يحتم اختلافها فيما بينها، بل واختلاف التخصصات داخل علم واحد، وهو أمر ما كان ممكنا للوضعية كفلسفة أولى وكتأمل بدائي في العلم أن تفهمه وأن تستوعبه، الأمر الذي أدى إلى مغالطات ومبالغات سقطت في المذهبية العلمية أو العلموية وهي أسوأ تمظهرات العلوم سواء عند العلماء أنفسهم عندما يحاولون تفسير كل شيء بالعلم، ونحن نعلم الآن النتائج السلبية التي أدى إليها الغلو في تقليد الفيزياء، ويمكن أن نورد على سبيل المثال الموحي، الرد والانتقاد الذكي الذي جوبه به دوركايم عندما استنتج ارتفاع معدل انتحار الجنود بالنسبة للمدنيين بإيعاز السبب إلى المغالاة في الاندماج، في حين أنه يمكن أن يرجع الأمر إلى أن الجنود لا يخطئون إصاباتهم أما على صعيد الآثار السيئة للعلم الخاطئ على المجتمع فيمكن أن نستحضر هنا الأخطاء الكثيرة والكبيرة التي سقطت فيها السوسيولوجيا الكولونيالية، والتي كانت في أغلبها وضعية، وكمثال على ذلك كتاب روبير مونطاني ثورة في المغرب والذي اعتبر فيه خروج القواد الإقطاعيين على الملك الشرعي محمد الخامس ثورة القرى والبدو على السلطة المركزية انطلاقا من نظريته المشهورة حول المغرب، البربر والمخزن.. ونفس الأمر عند الفلاسفة عندما يجمح بهم الحماس والخيال نحو معاداة الفلسفة والميتفيزيقا والأسطورة والدين، أكوست كونط نموذجا، وهي أبعاد غير علمية لكنها إنسانية بنفس القوة التي يملكها العلم، بل ويمكن أن تكون منبع العلم نفسه، لقد كانت الفلسفة والدين بيت العلماء قبل أن يبنوا بيوتهم الخاصة بهم.

من الذي أوصلنا إلى تجاوز الفلسفة الوضعية، أو بتعبير آخر من الذي فجر الحوار الإبستمولوجي الذي أصبح يانعا وغنيا ومرنا يفهم العلم في حدوده ونسبيته وانفتاحه على المجالات غير العلمية يفعل فيها وتفعل فيه؟ سؤال جدير بالاهتمام، لأنه سيضيء لنا التحول المعرفي الذي حول العلم من المقدس إلى المدنس، من مجال الميتافيزيقا والوهم، وهم امتلاك العلم والعلماء للحقيقة إلى مجال التواضع المحايث للعلم والعلماء الحقيقيين، تواضع نسبية الحقيقة قبل تواضع الأخلاق. في رأيي يرجع السبب إلى تطور المعرفة البشرية، في العلم أولا، ظهور الفيزياء غير التجريبية، أو الميكروفيزياء التي ستفرض فيزياء الأكسيوماتيك، ثم ظهور العلوم الإنسانية وتطورها الذي لم يعد يتساءل فيه حول علميتها، بل تجاوز الأمر ذلك إلى المساهمة في إعادة النظر في مفهوم العلم نفسه ليصبح أكثر سعة وأكثر مرونة، إلى جانب ذلك العوائق المعرفية التي عرفتها سواء العلوم الفيزيائية الكلاسيكية، أزمة الزمان المطلق والمكان المطلق والقصور، أو التصور الوضعي للسوسيولوجيا الذي وصل إلى الباب المسدود مع السوسيولوجيزم الدوركايمي الذي حاول تفسير كل شيء بالمجتمع نافيا في ذلك أهمية الفرد والمبادرة والمسؤولية.

هكذا كان لابد أن يعاد النظر في كل أشكال المذهبية التي قوتها الحرب الباردة والصراع الإيديولوجي.

لقد استطاع بيير بورديو أن يتجاوز الطرح الوضعي الساذج بابتكاره لمفاهيم جديدة أكثر حيوية ومرونة مثل الهابيتوس، الذي يعرفه بأنه بنية مبنينة ومبنينة من أجل تجاوز التبرير إلى المسؤولية، وكذلك مفهوم الحقل الذي يعطيه استقلالية داخل المجتمع حتى لا نسقط في تفسير كل شيء بكل شيء، وهذا التصور السوسيلوجي الناضج ما كان ممكنا لولا أخطاء السابقين من جهة ولولا معاينة بورديو نفسه للواقع والميدان، فاهما أن السوسيولوجيا الحق لا توجد في الكتب وإنما في الإنصات والملاحظة، كما الفيزياء تماما لا توجد إلا عبر التراكم والأخطاء.

يقول ابن خلدون في نص جد موح من المقدمة"إن العلوم تكثر حيث تكثر العمران وتعظم الحضارة، والسبب في ذلك أن الصنائع إنما تكثر في الأمصار، وعلى نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف ، تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش، فمتى فضلت أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان وهي العلوم والصنائع"[11] في هذا النص يعرف ابن خلدون العلم على أنه أمر زائد على المعاش وهو بمعنى لغة العصر أن التنمية العلمية غير ممكنة بدون الحسم في الضروريات ومن ثمة عدم إمكانية التنمية العلمية دون القضاء على الفقر والمرض والأمية، ومن نافلة القول أن الأمر لم يعد ببساطة عصر ابن خلدون الذي كان يحسم فيه أمر الضروريات إما بالفلح أو التجارة أو الغزو بتعبيره هو، إذ أصبح السؤال من يسبق من هل العلم أم الاقتصاد سؤالا غير ذي مضمون ومن ثمة ضرورة المقاربة الشمولية التي تتوخى توازي الاهتمام بما هو ذهني وما هو اجتماعي في نفس الآن..وفي تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية في العالم العربي، رغم كل ما يمكن أن يقال عنها ابتداء بتبريرات الأنظمة حتى نظرية المؤامرة، في التقارير هذه خير مؤشر على ما نذهب إليه، أما شروط إنتاج العلم فجد واضحة في ذهن العلامة، إذ هي العمران والحضارة والصنائع والترف، وبلغة اليوم لا يمكن التفكير في العلم دون المؤسسات العلمية والتي أولها الدولة الديمقراطية والمدينة المواطنة والجامعة الحرة، العقلية القبلية ما كان ممكنا أن تفهم ذهنيا سوى منطق العدو والصديق، أما منطق الدولة فهو منطق وإن كان يغلب فئة على أخرى وفق منطق الرهانات والمواقع فهو منطق نزع الامتيازات كما أسست لذلك الثورة الفرنسية وحقوق الإنسان.

إن مسألة العلم مسألة سياسية واختيارات كبرى ومن ثمة أهمية الدولة كمسترجة لهندسة مجال العلم، مدن جامعية وأخرى غير جامعية.. وكمسترجة لزمانه أيضا، جيل التعريب، جيل الإصلاح..الناجح والراسب، الذكر الممدرس والأنثى المقصية، إلى غير ذلك من القدرية الدولتية إن صح التعبير في صنع مصير الناس بتعبير بورديو. عندما نفحص الهرم المؤسسي الجامعي نجد مفارقة أثر العوامل غير العلمية على العلم واضحة، فكلما صعدنا من الوحدات نحو المسالك والشعب واللجن العلمية ومجالس الكليات وبعدها الجامعات يتقلص العلمي البيداغوجي ليفسح المجال لعوامل أخرى سياسية ودولتية وغيرها، وهو موضوع يستحق وحده بحوثا...

يعلمنا كارل مانهايم كمؤسس كبير لسوسيولوجيا المعرفة ضرورة تقبل كون المفاهيم تختلف من فئة اجتماعية إلى أخرى، فمفهوم الفقر عند الفقير ليس هو نفسه عند الغني مثلا ومن هنا أهمية السوسيولوجيا المنظورية بتعبير مانهايم[12] تلك السوسيولوجيا التي تؤسس للبحث عن الظواهر من زوايا مختلفة..حتى لا تحبس الحقيقة في الايديولوجيا وهي ليست سوى تبريرا لواقع ما أوالطوبى التي ليست سوى مطمحا نظنه واقعا.. صحيح أن العلم ليس إديولوجيا وصحيح أن العلم ليس طوبى، غير أن فحص التاريخ ينبئ عن علاقة العلم بما ليس علما ورسالة انشتين إلى روزفلت خير مثال على ما نذهب إليه، بل وعلاقة العلماء المريبة مع النازية جد واضحة.. إن العلم إنتاج يستثمر اجتماعيا كجميع الاستثمارات ، بل هو أخطر استثمار على الإطلاق.

يمكن أن نقول ودون مجازفة كبيرة أن النظرة الفيزيائية إلى الكون وراء كثير من التطورات الفكرية الكبرى عند الإنسان ابتداء بالتصورالفيزيائي البطليمي والذي كان وراء الهندسة الأقليدية والفلسفة الأرسطية التي كانت تخلط الفيزياء بالميتافيزياء وذلك تحت تأثير مركزية الإنسان في الكون، الأمر الذي لم يتغير كثيرا رغم انتقادات الفلاسفة والتجريبيين الإسلاميين لأرسطو، حتى ظهور تصور فيزيائي آخر هو الثورة التي أحدثها كوبرنك وتلميذه كاليلو والتي فجرت ينابيع النقد المؤسس للفلسفة الكانطية وبناء العلوم التجريبية بمعناها الحديث، ولم يتغير الأمر كثيرا حتى ثورة الميكروفيزياء، من اكتشاف الذرة والإلكترون والنسبية، الأمر الذي سيعيد النظر في التصور العلمي الطفولي المبني على الموضوعية والحتمية نحو ابستمولوجيات منشطرة ومتعددة، لعل الأقرب منها إلى الاستفادة من الفتوحات الميكروفيزيائية ابستمولوجيا التكامل عند نيلس بوهر وذلك بنقل تكاملية النظريتين الكهربائيتين ، التموجية والتذبذبية إلى مجال دراسة الإحساس في علم النفس أو دراسة الظواهر الاجتماعية في السوسيولوجيا والتاريخ، ولأول مرة ينبئنا نيلس بوهر بتدخل الآلات والقياسات في بناء الحقيقة العلمية، الأمر الذي تنبه إليه الفلاسفة منذ القدم والأمر المفروض منهجيا على علوم الإنسان التي تنفست الصعداء بنبذ الفيزيائيين أنفسهم للموضوعية والحتمية الساذجتين.

ثلاث مراحل إذن يمكن أن نؤرخ بها للمعرفة، المرحلة البطليمية الأرسطية والمرحلة الكوبرنيكية الكانطية ثم المرحة النسبية وتشظي الحقيقة نحو الأكسيوماتيك، هل هي سوسيولوجيا معكوسة إذا؟ ليس الأمر بتلك السهولة، فتداخل الاجتماعي بالعلمي أمر مركب لا يمكن إرجاعه إلى أي اختزال مهما كان مغريا فبقدر ما تفعل الكشوفات الكبرى في التاريخ والإنسان، بقد ما يكون الإنسان هو نفسه صاحب هذه الكشوفات.

لا يمكن أن ننسى أن العلم ظاهرة سوسيولوجية مثل أي ظاهرة اجتماعية أخرى، ولا نريد أن نذهب هنا بعيدا مع دوركايم الذي يرجع جميع العمليات الذهنية إلى الجماعة وليس إلى الفرد انطلاقا من أن تصور وفهم الكون مبني على البنية القبلية عند الإنسان البدائي...لكن ورغم ذلك لا يحاجج أحد الآن في كون علاقة العلم و إنتاجه وتقدمه بالمؤسسات التي تتبناه وتنظمه وتدبره وتصرفه علاقة أكيدة، صحيح أن العلم والعلم الفيزيائي خصوصا يمكن أن ينحرف عن مساره ويكون مصدرا أساسيا للقوة كما كان يطرح ماركوز وصحيح أيضا أنه يمكن أن يكون منبع الدكتاتوريات كما ذهب إلى ذلك هابرماس، لكنه صحيح أيضا أن العلم يصعب أن يتطور في المجتمعات غير العلمية بتعبير مرتون، من هنا أهمية الثقافة العلمية والتفكير العلمي تمهيدا للإنتاج العلمي المحول للمسارات التاريخية والاجتماعية.

من هذه الزاوية يتحمل العلماء مسؤوليات يجب ممارستها وفق مهام شبه سياسية وشبه نقابية مقترحة وموجهة وضاغطة، تهتم بالنضال ضد الفقر والتهميش والأمية ومحاولة تبسيط العلم ونشر الثقافة العلمية وسلوك النقد تجاه الاختيارات سواء الداخلية أو الخارجية للبرالية المجحفة ضد الناس وضد الطبيعة والبيئة، ولتشكل هذه الهيئات حلقة وصل بين الاختيارات الكبرى والمجتمع، وذلك على غرار ما يحدث في الدول الديمقراطية..

أخيرا أريد ختم هذه المداخلة باقتراح بعض مجالات فعل العلوم الإنسانية وأثرها على العلوم الطبيعية:

  1. مجال السلطة، المعرفية والمؤسسية والبيداغوجية والإدارية..
  2. مجال الديداكتيك وشروط التعلم الخاصة والعامة، ابتداء بوضع المناهج وانتهاء بالتقويم والدعم مرورا على العملية التعلمية نفسها..
  3. مجال التنظيم، الذي يعتبر سوسيولوجيا بامتياز، حيث يمكن للخبراء السوسيولوجين بالتنسيق مع الأكادميين العلميين في صياغة الأشكال الملائمة وفق طبيعة المناهج والموارد البشرية والأهداف المتبناة والمحيط الثقافي والسوسيواقتصادي..

أخيرا أظن بأن جل المفاهيم الإبستمولوجية التي صاغها سواء العلماء أنفسهم أو الإبستملوجيون أو السوسيولوجيون أو الفلا سفة، مثل مفهوم البراديكم عند كوهن أو مفهوم القطيعة عند باشلار أو التفنيد عند بوبر أو الحقل عند بورديو أو الإبستمي عند فوكو أو التكوين عند بياجي .. إن مثل هذه المفاهيم يمكن أن تثري النقاش وأن تحفز التفكير سواء في قبيلة الطبيعيين أو قبيلة السوسيولوجيين، وحتى بالنسبة للمجتمع العام من أجل خلق عقلية علمية نحن بكثير الحاجة إليها.

[1]- هذا المقال في الأصل مداخلة في الندوة التي نظمتها جامعة مولاي إسماعيل بمناسبة أسبوع العلم بتاريخ 21مارس 2005

[2] - S.Kuhn, Thomas._ La structure des révolutions scientifiques, traduit par Meyer, Laure, Flammarion 1983. pp, 219, 220.

[3]-Ibid,pp,224, 225.

[4]- Ibid,p, 226.

[5] Ibid,p, 48,49,50.

[6] Hempel, Carl.- Element d'épistémologie, Armand Colain,1991.p,1.

[7] Science et vie n° 799,avril, 1984,p, 153.

[8] Bachelard, Gaston.- Noumène et microphisique ترجمة عابد الجابري.- مدخل إلى فلسفة العلوم، ج 2،دار النشر المغربية، 1976،ص ص،359،362.

[9] - S.Kuhn, Thomas._ La structure des révolutions scientifiques, traduit par Meyer, Laure, Flammarion 1983. p,46.

[10]- أنظر الهامش رقم 6.

[11]- ابن خلدون._ المقدمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص،434.

[12]- معتوق، فردريك.- تطور علم اجتماع المعرفة،دار الطليعة،1982.ص ص، 153،157.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article