العار

Publié le par Kostani Ben Mohamed

نحاول في هذه المساهمة البحث في أصل وجذور الأعراف، من أين تنبع؟ وما هي منطلقاتها "النظرية" والرمزية؟ وما الذي يعطيها إجباريتها وإلزاميتها؟ آخذين بعين الاعتبار أهمية النظريات الشعبية والتي تأكد ت الآن أهميتها من خلال نظريات المعرفة الاجتماعية التي تظافر علم النفس الاجتماعي(Mascovici, Serge._ Psychologie sociale) والانثربولوجيا الرمزية (Mircea Eliade._ Aspects du mythes) وسوسيولوجيا اليومي (Watier, Patrick._ la sociologie et la représentation de l’activité sociale) على إبراز أهمية وقيمة المعرفة"التلقائية" والتي لا يجب أن نظن أن هناك قطائع بينها وبين المعرفة الاجتماعية العالمة كما كانت تتدعي الوضعية، فقد تأكد الآن بما فيه الكفاية ضرورة اجتهاد النظريات العالمة من أجل القدرة على فهم النظريات الشعبية والتي نظنها بدائية وتلقائية وخاضعة للفعل ورد الفعل.

صحيح أنها غير مكتوبة، وغير خاضعة للفحوص المنطقية والمنهجية والإبستملوجية، لكنها لا تخلو من منطق يكون غالبا داخليا، وعلى الباحث أن يبحث في ثنايا القول والفعل، وفي غير المعلن ، إلى غير ذلك من رياضات ذهنية لا تقل قيمة عن المألوف في العمل الكتبي، كما يجب الاعتراف بكون الذكاء الاجتماعي والتاريخي من أعلى مستويات الذكاء.

تبدو المجتمعات التقليدية طبيعية وجد مباشرة في حياتها، سوى على مستوى التنظيم أم على مستوى العلاقات، وهو في رأيي انطباع مظلل، لأنه وببساطة ليس هناك مجتمع بسيط كما كانت تتوهم الأنثربولوجيا التطورية من جهة، كما أن الفحص المنهجي والمسلح كثيرا ما يبين عن قواعد عقلية غير معلنة للفعل الاجتماعي من جهة ثانية. قواعد لا تبدو كذلك كما الربح الاجتماعي الذي لا يبدو ربحا،l’intérêt du désintérêt

هكذا تتبدى الأعراف جد خاصة ومرتبطة بأفعال بعينها وعلاقات بعينها وأوفاق بعينها بدون رابط يربطها وبدون سند نظري، وذلك عندما تقارن بالقانون الروماني أو اليوناني أو الفقه المالكي، وهو أمر مضضلل في رأيي، إذ الفلسفات القانونية والفقهية ليست فلسفات فوقية تفرض على البنود والقوانين بقدر ما هي تعبير أمين عن الوقائع نفسها الأمر الذي يفسر الإختلفات المذهبية والتي ليت إابداعات أفذاذ بقدر ما هي اختلافات وقائع وسياقات.

من كل ما سبق تملك الأعراف الأمازيغية نظرية غير معلنة وجد إجرائية هي نظرية العار.

ليس العار " ثقلا أو حملا معنويا يرمى به على شخص أو جماعة من الأشخاص، ولا يمكن التخلص من ذلك الثقل أو الحمل إلا بالإستجابة للطلب المرافق للعار"( إيكلمان، ديل._ الإسلام في المغرب.ت،أعفيف محمد.توبقال.1999،ص،36) فحسب، ومن ثمة ومنذ هذا التعريف نفهم البعد الإلزامي للعار، ذلك الركن الأساسي في كل النظريات التعاقدية والفقهية. و للثقل والحمل ذلك بعدا نفسيا عميقا يطال الكينونة، كما سنرى.

كما أن العار ليس" لعنة مشروطة بعقوبات أو انتقام القوى الغيبة"( عن وسترمارك، نفس المرجع، نفس الصفحة) وكذلك لاحظ بورديو ورايمون جاموس فحسب، ومن ثمة التفسير الإيديولوجي التبسيطي الذي يحاول إلصاق البدائية باسم الحداثوية أو الوثنية والكفر باسم الإسلاموية، لاحظ سوء الفهم كيف يمكن أن يلاقي الخصوم.

ينقسم العار إلى قسمين، الكبير والصغير، وقد لاحظ إكلمان وبذكاء" انتهاء استعمال العار الكبير منذ سيطرة الفرنسيين على المغرب، حيث كان يستعمل في فترة ما قبل الحماية كوسيلة لإنهاء الخلافات والنزاعات بين القبائل والفرق القبلية والدواوير، وكان يلعب الصلحاء فيه دور الوسطاء."( نفس المرجع، نفس الصفحة) إن تجاوز العار الكبير في عهد الحماية دلالة على قطيعة اجتماعية مع تشتت السلطة والمسؤولية الجماعية، نحو المسؤولية الفردية ومن ثمة متة نظرية العار الكبير. لكن مة العار شيء جد مستبعد حيث نشهد إحياؤه اليوم في مناسبات كبرى مثل الإنتخابات والأزمات الكبرى بين الأفراد والجماعات.

إنه العمق الذي ينطلق من مفهوم أنثربولوجي جذري هو الإنسية نفسها، وبذلك فالذي يحدد ويقنن سلوك الشخص هو مدى تعبيره عن إنسيته، وهي مكانة دقيقة وحرجة تتراوح بين الطهرانية والدنس، الأمر الذي يقربها من التصور الإسلامي، حيث انعدام الخطيئة الأولى كما هو الأمر في المسيحية، وحيث القصاص غالب وبقوة على التسامح المسيحي الطهراني، والإنسية هنا طبيعية قد تظهر للأجنبي "متوحشة" و"خشنة" و"عنيفة" بل وحتى ""بدائية"، إلا أن الخشونة هذه والعنف الظاهري هذا منطويان على أخلاق مبنية أساسا على التعامل بالمثل، مع خضوع ضروري للغالب ولو إلى حين..

تنطلق الإنسية هنا من مفهوم ذي زخم دلالي عميق وقوي وعنيف، إنه مفهوم العار الذي يمكن أن يتخذ عدة دلالات في نفس الوقت، فهو الشرف والحق والذمة والكرامة والأمانة والعهد والكفالة والضمان والعرض…والحرمة. هو عهد يقطعه صاحبه على نفسه ولا يجب أن يتراجع عنه وإلا فقد المتراجع كرامته وذمته وحرمته ومن ثمة إنسيته.

نجد المتعهد عبر العار يعبر عن عهده بطقس رمزي هو القسم، والقضية ليست رمزية طقسية فحسب، بل مشروطة بضمانات يقدمها المتعهد حفاظا على المال والروح والذمة، وهذا هو الجانب العملي للعار، وتكون هذه الضمانات حملاء ومزاريق أو رهونا أو هما معا، حتى يتخذ العهد صبغة الجبرية والإلزام، وحتى يجد طريق التنفيذ والتطبيق والإجرائية.

وعند فحصي لمفهوم العار، استوحيت المفهوم المركزي الذي بنى عليه سترواس إنسيته، إنه مفهوم المحرم L’inceste، المفهوم الذي أجده أضيق من العار، حيث يعتبر الأخير أكثر زخما وإجرائية نظرا لرمزيته القوية، وكالمحرم تماما فهو طبيعي إذ نجده يشمل جميع المجتمعات، كما أنه ثقافي إذ هو اتفاق ومواضعة وميثاق. وقد راعى انتباهي العلاقة الرمزية بين المفهومين إلى حد التشابه الكبير بين المتعاهدين على العار والمتزوجين، وعند فحص مدلولات العار وجدت لفظا يمكن اعتباره قنطرة سيميائية بين ما يجعل الإنسبة إنسية عبر المحرم وما يجعلها كذلك عبر العار، هذا في غريس طبعا،لكن وبفحوص بسيطة نجد المسألة معممة لدى الأمازيغ كلهم وربما لدى الشعوب السامية كلها بل والبدوية بصفة أعم.. هذا المفهوم- القنطرة هو الحرمة التي يمكن أن نشتق المحرم منها، هي ما حرم تزويجها.

لنقترب إذا أكثر من الوقائع، ولعل عقد الحماية تايسا أحسن مثال تلتقي عنده جل الحيثيات المرتبطة بالعار، وللحماية أركان وشروط وطقوس وحيثيات دقيقة:

يطلب شخص ما أو جماعة حماية، وهذه الحماية تستوجب:

1-المحمي: الذي يشترط فيه أن يحتاج إلى الحماية، فاقد عصبة غالبا، فهو إما من إثنية تفككت لحمتها، أو من شخص مهاجر يريد الإقامة ببلد آخر،الحرفيون مثلا، ولا تقبل حماية القاتل داخل قبيلته..

2-صيغة الطلب: قد تكون بسيطة عبر طلب عادي، وعندما يشتد الأمر فلا بد من وسائل تشخص طلب الحماية وهي متعددة انطلاقا من أبسطها، "توكا نومغار" وهي قبضة كلإ توضع فوق رأس الأمغار الجديد المنتخب أو "تاحرامت"، العمامة توضع أمامه.

_3فضاء العار: أمام خيمة أو منزل الحامي، إذا كان العار شخصيا، أو أمام المسجد أو أحد الأولياء إذا كان جماعيا. كما يمكن الإتجاه إلى امرأة والرضاع من ثديها أو لمسه حتى، أو لمس طاحونتها اليدوية" تمغارت زوند أكرام" يقول وسترمارك.

والقاتل يطلب العار بإزار أو سلهام أو ذبيحة ظأن غالبا، لا يتحدث المخبرون عن ذبائح أخرى عند أيت يافلمان خصوصا، أو بأحد الأبناء أو بعلم أحد الأولياء، مولاي عبد القادر مثلا، وتسمى صيغة طلب الحماية، "أزاوك"، ""نزاوك ديكون، نزاوك كربي"، نطلب منكم ومن الله، وقد تكون الصيغة بطقس إذلال، إذ يعقد طالب الحماية يديه حول رأسه رمز الخضوع وقد يجثو فوق ركبتيه، "تفنكاس"، وتحمل جميع الأشياء المستعملة في طلب الحماية زخما دلاليا قويا، فالكلأ الذي يوضع فوق رأس الأمغار الجديد رمز تحميله مسؤولية الانتجاع، ومن ثمة الأمن الغذائي والاستمرار في الحياة والوجود الاجتماعي، والعمامة رمز الرجولة والنضج والمسؤولية والتكليف، بالمناسبة، لا يلبسها غير البالغين وهي رمز التأهيل بالنسبة للقاصرين عندما يتجاوزون مرحلة الطفولة ويصبحون رجالا-فرسانا.

وكذلك نفسر الأمر بالنسبة للسلهام الذي هو رمز الوقار والحماية والقدرة على تحمل الأسرار، أما الإزار الأبيض فرمز الطهارة والعفة والعفو والصفاء، لباس الأموات المقبلين على دار القرار، أما الابن البكر فهو الحب الأكبر، أغلى ما يملكه الإنسان، وعندما يقدم كرمز في الحماية فهو دلالة الإحباط والانكسار العميق، أما راية الأولياء التي يتمسح بها كما هو الأمر بالنسبة لأغطيات أضرحتهم التي تشتم منها رائحة الجنة فهي أشياء الأولياء التي تمدد وجودهم بعد وفاتهم الجسدية وهي استمرار البركة.

الحامي: يفحص الحامي طلب الحماية أولا حتى يتحمل حمايته، إذ من قتل نفسا مثلا لا تقبل حمايته، وهي الحالة الوحيدة التي يرد فيها طلب الحماية، أما في باقي الحالات الأخرى فلا يستطيع الحامي أن يرد هذا الطلب وإلا فقد سمعته ومروءته وجاهه بالخصوص.

عندما تقبل الحماية يعطي الحامي الحملاء وهم ضامنو العهد والوفاء به، وهم الفرسان، إحملان، إمورن، وإزطاطن عندما تكون الحماية حماية طريق فحسب، المزاريق، الكفاف.. وتعقد الحماية في الحرمات، لدى الشرفاء وإكرامن، كما تعتبر أمكنة أخرى حرمات مثل المنزل والمسجد والسوق وكذلك المرأة والأم..

وعند نهاية قبول الحماية يقول الحامي للمحمي: أكاسيغ خف إغير دغ أرد إوحل، أسيخك خف وا، أحملك فوق هذا الكتف حتى يتعب وأحملك على الآخر.

وقد تنكسر الحماية، تيرزي نومور، ضعفا من الحامي أورشوة أو هتكا للعهد من طرف الحامين أنفسهم إضرارا بالمحمي، وتلك قمة العار، أن تعطي الحملاء والعهد وبعد ذلك ورغم ذلك يقتل المحمي ومن طرف الحامي وهو نفسه الضامن، نغانت داو إمورن، قتلوه تحت الحملاء، ياغ العار إمورن، هنا قد تطلق زوجته مثلا صرخة، كوع ياغكن العار، برمز يد مضمومة الأصابع إلا الإبهام مرفوعة إلى الفوق دلالة تحطم العهد والتكتل والوحدة، والأمثلة بهذا الصدد كثيرة حسب المخبرين، وعندما يقع مثل هذا الأمر تحفر الجماعة قبرا رمزيا للحامي وتملأه بالحصي، هو إذا قبر المغدور به، أكرور ويصبح هذا الحامي الذي نقض عهده من عداد الموتى، لا يتعامل معه ولا تعتبر كلمته، يفقد إنسيته وكينونته فيصبح وجوده نباتيا محضا، ولأكرور تفسيرين متناقضين ومتقاربين في نفس الوقت لدى المخبرين، فهو قبر المغدور- الشهيد الذي سيصبح مقدسا أو قبر الغادر الميت- الحي.

كما يمكن كسر ذبيحة بأخرى، أو تجاوز ذبيحة العشيرة خاصة، ولا تستبدل الأولى إلا بأخرى أقوى منها، وقد يمثل الأمر سببا لحروب ومعارك طاحنة لكنه في المنطقة لا يشكل الأمر خطرا كبيرا نظرا لتشتت العصبيات النسبي، إلا أنه عار على كل حال.

ونريد أن نذكر هنا وبالمناسبة تواجد ما تراه الأنثروبولوجية الأنكلوساكسونية قمة الانقسامية Segmentarité absolue عند قتل الأقارب لأخ لهم سفيه يفسد في الأرض ويسبب لهم الأذى الكبير، وأظن المسألة تابعة للشروط الإيكولوجية القاسية من جهة، صعوبة تشكيل الملكية مثلا، وقوة العصبية من جهة أخرى..

وتعطى الهدية والرشوة لأيت تايسا، وعند نقض العهد، كما رأينا تقام طقوس غريبة مثل الكركور السالف الذكر ومثل قراءة الفاتحة بالأكف المقلوبة، س ضارت إفاسن، كما أن للعهد طقوسه كتشابك الأيدي ومشاركة الأكل، ويكون الطعام كسكسا غالبا.

وقد ينشد: مني العهد، مني أمور إخوان أمر إتعلمت أسيغ ألينو ديكون

أين عهدك، أين موثقك الفارغ لو علمت أمرك لجعلت قلبي يترفع عنك

ولابد من عربون وفاء، ويقال العربون بالنسبة للبيع، والرهن بالنسبة للخطبة والعهد، وحتى بالنسبة للمتصالحين بعد إيقاف الحرب، لابد لهم من رهن وضمانات حتى لا تنتكس الحرب، وإذا كان رهن العاشقين بسيطا مثال دملج أو غيره، أو حتى قطع قماش وغيرها فإن رهن المتصالحين أهم انطلاقا من المال والعقار وصولا إلى الأنفس والذمم. وإذا تراجعت المخطوبة أو فقدت ما أعطاها الخاطب رهنا، أو ضربت أوتو، بمعنى تراجعت بإرادتها عن الخطبة ترجع الرهن، وإن كان هو الذي فسخ فلا رجوع للرهن،الذي يغدر يذهب رهنه.

خلاصة

إن احترام المقدس عقيدة، وهي العقيدة التي على أساسها يبنى الشرف، كما لاحظ ذلك بورديو، ذلك الشرف، الذي على أساسه يبنى المجتمع، ليس التقليدي فحسب بل والحداثي، إن التنمية الحقيقية تنمية أخلاقية.

عندما ننتمي إلى مثل هذا المجتمع، وعندما نقبل قواعده، فإن الأصول والجذور لايعود لها معنى.

Publié dans Anthropologie

Commenter cet article