العود الأبدي

Publié le par Kostani Ben Mohamed

العود الأبدي

ما الذي يجعل الناس رغم اختلافاتهم الفردية يستطيعون العيش سويا ويتعايشون؟

ذلك هو السؤال المركزي الذي يحاول الرابط الاجتماعي الإجابة عنه بكونه مجموعة من العلائق والتبادلات بين الأفراد والجماعات المكونة لجماعة أو مجتمع ما.

كيف تتبدى تلك العلائق والتبادلات؟

الإنسان بالتحديد السوسيولوجي، مربوط ضرورة، وذلك إما بارتباطات أولية مثل الدم والقرابة، أو انتماء في مثل ولاءات الدين والحق والأخلاق أوتعاقدا في الأمة والدولة والوطن... وهي حاجة ملحة تكاد تكون أنطلوجية، حاجة قد تصل إلى حدود انتحار الحنين « mal du pays » ...

هذا وجه، أما الوجه الآخر فيتجلى في كون الإنسان مريدا فاعلا يخلق الروابط نفسها وينظمها. و هو المعتني بها والمتتبع لاشتغالها، كما أنه هو نفسه المتكلم عنها وصفا وتعبيرا وتأملا...بل هو الذي يخرقها و يعمل على نقدها و تفكيكها، وهو نفسه المحاول للانفلات من ضوابطها بتحيينها أحيانا أو باستبدالها كلية.

هكذا لا يعيش الإنسان الرابط فحسب، بل هو متتبع لمساراته استشرافا للمآلاات... إنه كالراحلة لا تربط إلا خوفا أو استعدادا للرحيل.

كل رابط إذا يحمل في ذاته رحيلا، يحمل فك الرابط "déliance " كقدر إنساني مليء بالأزمات والوقفات والقطائع والهجرات فردية أم جماعية، لكنها لا تملك زخم فك الرابط إذا لم تجد من يرحل ويهاجر مع...إن المربوط هو من كان في الأصل مفكوكا وينتظر العودة إلى الحرية.

لكن هل هناك إمكانية الحرية الدائمة، هناك تصبح الحرية شيئا متدليا ليس إلا...إن الحرية الحقيقية ليست سوى تحسين الوضع الوجودي للإنسان و فق جدل الإنعتاق والعبودية والعبودية الطوعية « servitude volontaire »

جدلية إذا هي الحياة الاجتماعية بين الحرية والجبرية، بين الفعل والانفعال... غير أن لحظات كبرى في تاريخ البشرية طابعة للمسارات الاجتماعية، لعل أهمها الحداثة، ذلك الفعل المخلخل لإعادة إنتاج المجتمعات التقليدية و"الجمعوية" « communautaires » لنفسها وفق الامتثال والامتلاء وتتبع المسارات الممهدة والعمل على استدامة الحال وفق ليس هناك أحسن مما كان...

الحداثة بالصناعة والتحضر والعد والعقلانية خلقت فك الارتباط نحو الاغتراب وتشظي الفاعل والضجر والانزواء... ليعود الفاعل مثابرا نحو إعادة الرابط « reliance » ليس تبعا للحاجة فحسب، بل اشتغالا على الذات _ ليس مأسسة فحسب بل وإبداعا_لتلقي الآخر عبر الوسائط و جميع أشكال الانتماء الحديثة التي تحمل معها آثارا طرسية « palimpseste » ...

وما يتبع ذلك من نقائص مرتبطة بالبيع والخواف من بوار السلع، وما ينتج عن ذلك من تعود وطقوس قد تعيد إلى أشكال حياتية شبه بدائية في الطرقية والعنف، وما يستتبع ذلك أيضا من اصطفائية شديدة تنتج الهامشية والهشاشة وفقدان الاجتماعية والضياع...

الرابط إذا قيد وتنشئة وتماه، لكنه حماية أيضا، قيد بالقسر والعوائد والقيم... لكنه حماية من الذات قبل كل شيء ومن الآخر بعد ذلك، لكنها حماية الحقيقة السوسيولوجية وليس المطلقة، حقيقة اللحظة والآن والسياق والارتجال الدائم في امتلاك وتحسين الكفايات وفق انتظارات الآخر.

في الرابط إذا لا يهم سوى اللحظات، تجارب تكاد لا تتكرر، تفعل فيها تجارب تقسيم العمل وأثر الإنتاج على العلاقات والقابلية للاجتماع. ورغم ذلك لابد من حد أدنى من التنظيم والثبات ولو المنهجيين لفهم ذاك الذي يسمى مجتمعا.

Publié dans Sociologie

Commenter cet article